الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
133
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و أُخْرى في سياق النفي يفيد العموم فيشمل نفي ما زعمه الوليد بن المغيرة من تحمل الرجل عنه عذاب اللّه . وهذا مما كان في صحف إبراهيم ، ومنه ما حكى اللّه في قوله : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 87 - 89 ] . وحكي في التوراة عن إبراهيم أنه قال في شأن قوم لوط : « أفتهلك البارّ مع الآثم » . وأما نظيره في صحف موسى ففي التوراة « 1 » « لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل » . وحكى اللّه عن موسى قوله : أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [ الأعراف : 155 ] . وعموم لفظ وِزْرَ يقتضي اطراد الحكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة . وأما قوله في التوراة « 2 » أن اللّه قال : « أفتقد الأبناء بذنوب الآباء إلى الجيل الثالث » فذلك في ترتيب المسببات على الأسباب الدنيوية وهو تحذير . وليس حمل المتسبب في وزر غيره حملا زائدا على وزره من قبيل تحمّل وزر الغير ، ولكنه من قبيل زيادة العقاب لأجل تضليل الغير ، قال تعالى : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] . وفي الحديث : « ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، ذلك أنه أول من سنّ القتل » . [ 39 ] [ سورة النجم ( 53 ) : آية 39 ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) عطف على جملة أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ النجم : 38 ] ، فيصح أن تكون عطفا على المجرور بالباء فتكون ( أن ) مخففة من الثقيلة ، ويصح أن تكون عطفا على أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فتكون أَنْ تفسيرية ، وعلى كلا الاحتمالين تكون أَنْ تأكيدا لنظيرتها في المعطوف عليها . وتعريف الإنسان تعريف الجنس ، ووقوعه في سياق النفي يفيد العموم ، والمعنى : لا يختص به إلا ما سعاه .
--> ( 1 ) سفر التثنية إصحاح 24 . ( 2 ) سفر الخروج إصحاح 20 .